محمد بن جرير الطبري

329

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ذكر ان هرثمة مضى في اليوم السادس من اليوم الذي كتب له عهده الرشيد وشيعه الرشيد ، وأوصاه بما يحتاج اليه ، فلم يعرج هرثمة على شيء ، ووجه إلى علي بن عيسى في الظاهر أموالا وسلاحا ، وخلعا وطيبا ، حتى إذا نزل نيسابور جمع جماعه من ثقات أصحابه وأولى السن والتجربة منهم ، فدعا كل رجل منهم سرا ، وخلا به ، ثم أخذ عليهم العهود والمواثيق ان يكتموا امره ، ويطووا سره ، وولى كل رجل منهم كوره ، على نحو ما كانت حاله عنده ، فولى جرجان ونيسابور والطبسين ونسا وسرخس ، وامر كل واحد منهم ، بعد ان دفع اليه عهده بالمسير إلى عمله الذي ولاه على اخفى الحالات واسترها ، والتشبه بالمجتازين في ورودهم الكور ومقامهم فيها إلى الوقت الذي سماه لهم ، وولى إسماعيل بن حفص بن مصعب جرجان بأمر الرشيد ، ثم مضى حتى إذا صار من مرو على مرحلة ، دعا جماعه من ثقات أصحابه ، وكتب لهم أسماء ولد علي بن عيسى وأهل بيته وكتابه وغيرهم في رقاع ، ودفع إلى كل رجل منهم رقعه باسم من وكله بحفظه إذا هو دخل مرو ، خوفا من أن يهربوا إذا ظهر امره ثم وجه إلى علي بن عيسى : ان أحب الأمير أكرمه الله ان يوجه ثقاته لقبض ما معي من أموال فعل ، فإنه إذا تقدم المال امامي كان أقوى للأمير ، وأفت في عضد أعدائه وأيضا فانى لا آمن عليه ان خلفته وراء ظهري ، ان يطمع فيه بعض من تسمو اليه نفسه إلى أن يقتطع بغضه ، ويفترض غفلتنا عند دخول المدينة فوجه علي بن عيسى جهابذته وقهارمته لقبض المال ، وقال هرثمة لخزانه : اشغلوهم هذه الليلة ، واعتلوا عليهم في حمل المال بعلة تقرب من أطماعهم ، وتزيل الشك عن قلوبهم ، ففعلوا وقال لهم الخزان : حتى تؤامروا أبا حاتم في دواب المال والبغال . ثم ارتحل نحو مدينه مرو ، فلما صار منها على ميلين تلقاه علي بن عيسى في ولده وأهل بيته وقواده بأحسن لقاء وآنسه ، فلما وقعت عين هرثمة عليه ، ثنى رجله لينزل عن دابته فصاح به على : والله لئن نزلت لأنزلن ، فثبت على سرجه ، ودنا كل منهما من صاحبه فاعتنقا ، وسارا ، وعلى يسال هرثمة عن